محمد أبو زهرة
117
المعجزة الكبرى القرآن
وإن التصريف في القرآن الكريم على ضربين : أحدهما في المعاني ، وثانيهما في الألفاظ والأساليب ، فأما التصريف في المعاني ، فإن المؤدى في جملته يكون واحدا ، ولكن يختلف في دلالته بالنسبة للسياق ، فالقصة الواحدة كقصة نوح تذكر في القرآن في عدة مواضع ، ولكن لها في كل مرة عبرة ، وهذا تصريف في المعاني وإن كانت الألفاظ تختلف أو تتقارب أو تتحد العبارات في بعض الأحيان ، ولقد قال في تصريف المعاني الرماني في رسالته إعجاز القرآن : « وهذا الضرب من التصرف فيه بيان عجيب يظهر فيه المعنى بما يكتنفه من المعاني التي تظهره وتدل عليه ، وتصريف المعنى في الدلالات المختلفة قد جاء في القرآن في غير قصة . منها قصة موسى عليه السلام في سورة الأعراف وفي طه والشعراء لوجوه من الحكمة ، منها التصرف في البلاغة من غير نقصان ، ومنها تمكين العبرة والموعظة » « 1 » . 73 - وأول تصريف في مناحى القول في القرآن يكون في السور ، فمنها الطوال التي يجد فيها القارئ أبواب العلم الإسلامي المختلفة من بيان الوحدانية ، وبطلان الوثنية ، وتوجيه الأنظار إلى الكون ، وما فيه من دلالة على قدرة اللّه ، والأرض وما حوت من كنوز وزروع وثمار ، ومن اتصال الأرض بالسماء بالمطر الذي يكون غيثا يحيى الأرض ، وينبت الزرع ، ويسقى كل حي ، ومن شرائع فيها المصلحة الإنسانية وكرامة الإنسان ، وتكريمه بالعقل . وفيها القصار التي يسهل على القارئ حفظها ، وأن يعيها صدره لما فيها من جمل قصار يسهل وعيها والاعتبار بها ، وذكرها في صلواته ، وفيها بيان الوحدانية وذكر اليوم الآخر ، وفي بعضها تجد أحكاما شرعية مثل قوله تعالى في سورة الكوثر : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 ) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ( 2 ) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ( 3 ) ، ففيها ذكر لليوم الآخر ومقام النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومقام الشانئين الذين عادوه ، وعادوا الحق معه ، وحكم الأضحية . واقرأ قوله تعالى : وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ( 3 ) ، ففي هذه السورة القصيرة جماع الخصال الإنسانية التي تصلح الآحاد والجماعات ، وهي الإيمان الذي يعمر القلوب ويوجه الجوارح ، فلا صلاح لإنسان أو جماعة إلا إذا صلحت القلوب ، وأثمر الإيمان العمل الصالح في الآحاد ، وكانت الجماعة كلها للحق تتواصى عليه وتتعاون ، فما صلح قوم ضاع الحق بينهم ، وتخاذلوا في نصرته ، وإن السبيل إلى احتمال أعباء الحق ، هو الصبر ، فإن الصبر فيه ضبط النفس ، والابتعاد عن الشهوات وجعلها خاضعة
--> ( 1 ) رسالة الرماني من مجموع الرسائل في إعجاز القرآن ص 101 .